بقلم الكاتبة / دنيا حجازى
حوار في الكلمة العميقة وبها مع شاعر جزائري شاب ضاجا بالحياة ،رياض بوحجيلة من مواليد 1983 بقسنطينة ،في حوزته ثلاث دواوين شعرية :لاشيء يستدعي إبتسامتك،في حضرة النونين،وفي غياب المرآة
.حاز على العديد من الجوائز الأدبية :- جائزة علي معاشي في الشعر سنة 2018 في الجزائر عن المجموعة الشعرية في غيابة المرآة
- جائزة حلقة الفكر المغربي دورة المرحوم عبد السلام بوحجر في الشعر سنة 2019 في المملكة المغربية عن المجموعة الشعرية في حضرة النونين
- جائزة العلامة عبد الحميد بن باديس في الشعر سنة 2022 عن المجموعة الشعرية قل هو الحب.
1/كيف تصف للقارئ العربي الشاعر الذي بداخلك؟
الشاعر الذي يختبئ داخلي طفل خجول ومشاغب انتقل عبر رحلة طويلة وشاقة من محاولة تغيير العالم بالشعر إلى محاولة تأثيث عالم مواز في الشعر رغم أن هذا العالم الموازي يتحول في أحيان كثيرة إلى غربة مضاعفة، كما أن مساحة التلامس بين هذين العالمين ترهقه كثيرا في محاولة توسيعها حينا وتضييقها حينا آخر بتجميل هذا العالم من خلال الغوص في تفاصيله المهملة بحثا عن بقعة ضوء صغيرة وسط ظلمات الجهل والبؤس والظلم تارة وتارة أخرى بكشف مدى قبحه وبشاعته، انتقل من الاعتقاد أنه مركز العالم وأن الشعر إحدى قوى الطبيعة الخارقة إلى الجلوس على شاطئ معزول مصرا على إعادة بناء بيوت الرمل وإسكانها من أحلامه البريئة وغير البريئة كلما هدمتها الأمواج
2/ماذا يمثل فعل الكتابة بالنسبة لك؟
اعتقد أن الكتابة والفن عموما عندنا لم تعد ترفا فكريا أو فعلا جماليا أو محاولة لقلب العالم بل أصبحت فعل مقاومة لنمط الحياة الحديثة التي يخيل لي أحيانا أنها أصبحت مؤامرة على العقل البشري وروح الإنسان، مقاومة لطوفان التكنولوجيا والعولمة التي تمحي خصوصية الفرد والمجتمع وتجرفه نحو نموذج فكري وثقافي وفني موحد لا مكان فيه للاختلاف والخصوصية في ظل الحياة السريعة التي لا تعترف بترف الفن والهوية فإذا كان المنتصر يكتب التاريخ فإن المنهزم حضاريا وتكنولوجيا يكتب الأدب ويبدع الفن لتسجيل حضور على هامش تاريخ هذه المرحلة، أو هي باختصار تميمة ضد النسيان، ضد أن ينسانا التاريخ وضد أن ننسى أنفسنا
3/لقد قلت سابقا أن "الشعر قد يكتب من أجل الشعر أو من أجل اللغة أو من أجل الجمالية المحضة كما يزعم بعض المنظرين" .فهل في نظرك القصيدة الناجحة تقوم على البراعة اللغوية أم الانفعال العاطفي؟
القصيدة الناجحة هي خليط من كل ذاك، هي موقف من الحياة سواء كان هذا الموقف سياسيا أو اجتماعيا أو عاطفيا أو وجوديا أو فلسفيا أو غيره، لهذا أتعجب من انتقاص بعض النقاد أو المنظرين من شاعر أو نص ما بدعوى حمولته الإيديولوجية، الشعر الخالي من الإيديولوجيا كالقهوة منزوعة الكافيين رائحة زكية وطعم لذيذ لكنها بدون فاعلية ودون أثر، تنساها بمجرد الانتهاء منها، لذلك لابد للشعر من قضية يسندها وتسنده وتحميه من السقوط في فخ العبثية والهلامية والإغراق في الذاتية والغموض الذي يضيع فيه كاتبه قبل قارئه، قد يتغير
شكل الشعر ودوره وأغراضه باختلاف العصور والثقافات لكن قضيته الجوهرية واحدة لا تتغير، قضيته الجوهرية منذ البدء كانت وستظل هي الإنسان وحريته وكرامته فكيف لشاعر منفصل عن العالم وعن الناس وهمومهم وأوجاعهم ويومياتهم ولا موقف له مما يجري حوله ولا يناضل من أجل حريته وكرامته أن يغوص في أعماق الإنسان ويسبر أغوار النفس البشرية، طبعا هذا لا يعني أن تتحول القصيدة إلى خطبة سياسية رنانة أو مقال إيديولوجي فج أو تنظير أجوف واستعراض للمعارف أو محاضرة عن العدالة الإجتماعية وحقوق الإنسان أو يكون هذا على حساب الجمالية الفنية واللغوية، ومهما بلغت القصيدة من الجودة الفنية واللغوية وجمال الصورة وابتكار المعاني فإنها تبقى مجرد تحفة جامدة حتى ينفخ فيها الشاعر من روحه لتنبض بالحياة والعواطف فتخلد وتخلده معها
4/ماهي الأصوات الشعرية الجزائرية والعربية التي ينظر إليها رياض بعين الدهشة؟
غالبا لا أحب الأسماء الكبيرة والكسولة التي تتكئ على نجوميتها وماضيها لجذب القارئ بدل الاشتغال على نصوصها وتطوير تجربتها لهذا أقرأ عادة للأسماء الجديدة والمغمورة بحثا عن الاختلاف والتجديد لكن للأسف جل الشعراء الجدد يقعون بسرعة في فخ التناسخ ويستسلمون لتيار الهلامية والنمطية الجديدة التي كرستها لجان تحكيم الجوائز والقوالب النقدية المعلبة، قليلة جدا هي النصوص المدهشة اليوم ليس بسبب ضعف فني أو ضيق الرؤية عند الشعراء لكن بسبب الجبن، الشاعر الجبان يخاف أن يغضب السلطة ويخاف أن يغضب لجان التحكيم والقائمين على المهرجانات ويخاف أن يغضب النقاد ويخاف أن يغضب الأوصياء على الدين والمجتمع ويخاف حتى من إغضاب زوجته كما يخاف أن يتهم بالجهل أو الرجعية لهذا يكتب نصا بلا لون ولا طعم ولا رائحة وحتى بلا جنس، وهذه مشكلة المثقف الحديث عموما وليس الشعراء فقط، طبعا هناك استثناءات تشتغل غالبا في صمت بعيدا عن ضوء وضجيج الواجهة وتقدم نصوصا مختلفة ومميزة كتقي الدين بن عمار وعبد الرحمان بوزربة وعبد الحليم مخالفة وعبد القادر مكاريا وعارف الساعدي وعماد جبار وحسن ابراهيم على سبيل المثال لا الحصر طبعا، بالإضافة إلى أسماء كثيرة من الجيل الجديد تجعلني أتفاءل بمستقبل الشعر في الجزائر وفي العالم العربي خصوصا مع الأجيال الجديدة من الشعراء في العراق واليمن، كذلك لا يمكن أن أنسى بعض الأسماء القديمة التي لا يمكن أن يخبو بريقها أو تنقضي دهشتها مهما مر عليها الزمن كأمل دنقل ونجيب سرور والسياب ودرويش ومحمد الصغير اولاد احمد
5/ماهو موقفك من دعم الجيل القديم لأدباء الجيل الجديد
إلى وقت قريب كنت أعجب من ذلك الاحترام الشديد والتقدير الذي يكاد يبلغ التقديس الذي يظهره الشعراء السودانيون الشباب عند الحديث عن الفيتوري ونفس الأمر تقريبا مع الشعراء اليمنيين حين يجيء ذكر عبد العزيز المقالح، قبل أن أفهم أن الأمر ليس بسبب شعرهما ولا سنهما أو سبقهما بل لأنه لا يكاد يوجد شاعر شاب في بلديهما ليس لهما عليه أفضال سواء قدماه في أمسية أو نوها به في حوار أو مقال أو شجعاه بكلمة طيبة، أما هنا فشعراء الأجيال السابقة يتصرفون كآلهة صغيرة ويعتقدون أن الاحترام والتقدير هو حق إلهي وليس استحقاقا يستوجب التواضع والعطاء، ولا يتوانون عن مزاحمة شعراء في سن أبنائهم وأحفادهم على بقعة ضوء صغيرة أو جائزة رمزية، في المقابل هناك من شعراء الأجيال الجديدة من يدفعه حماس وغرور الشباب ليظن أنه من اخترع الشعر وأن لا شاعر قبله أو بعده في هذه البلاد، أسباب هذه الجفوة كثيرة وعميقة ومتشعبة، بعضها يرجع لطبيعة الوسط الثقافي والمشهد الشعري وبعضها يتحملها الشعراء أنفسهم من كل الأجيال، ولا شيء للأسف يبشر بمصالحة قريبة
6/ أنت كمنتج للنص الأدبي كيف تنظر إلى القصيدة النثرية و مكانتها في الثقافة العربية؟
بعيدا عن التهمة الجاهزة الملتصقة بي حول معاداة قصيدة النثر أقول أنها فن كغيره من الفنون تتفاوت درجات الإبداع والجودة فيه بين المدهش والجيد والرديء، قرأت مؤخرا نصا في هذا الباب لشاعر مصري مغمور نسيت اسمه أعتقد أنه أجمل ما قرأت منذ فترة طويلة ولا مجال لمقارنته بأغلب ما ينشره شعراء العمود اليوم الذين لا هم لهم غير قرع القوافي كقرع الطناجر أو أسوأ، لكن قبل توقيع وثيقة إلحاق نسب قصيدة النثر بالشعر العربي هناك الكثير من الأسئلة والإشكاليات التي يجب طرحها بداية بالتسمية التي تجمع بين متناقضين جوهريا وتعيد الجدل حول الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية، لكن قبل ذلك لنتساءل حول هذا المخلوق الهلامي العجيب المسمى قصيدة النثر: ما هي أسباب ومسوغات ظهوره؟ وما هي خصائصه وضوابطه البنائية والفنية؟ وما الإضافة التي يقدمها للشعر والأدب عموما؟
بداية يواجهك الجواب الجاهز حول أسباب ظهور قصيدة النثر وهو التجريب وهو جواب لا يمكن لعاقل الاعتراض عليه ولا يحق لأحد مصادرة الحق في التجريب، لكن ما هو هذا التجريب وما ماهيته ومنطلقاته وأسسه التي يستند عليها؟ وهل التجريب مرادف للهدم الذي نتفق جميعا أنه أسهل من البناء؟ وهل يصح أن نهدم قصرا لنبني مكانه كوخا؟ صحيح أن الهدم يسبق البناء لكن إلى متى تستمر عملية الهدم والنثريون العرب يهدمون الصرح الشعري العربي الشامخ منذ مائة سنة وأكثر؟
ثم هل الجمود الذي مرت به القصيدة العربية وهو أمر تواجهه كل الفنون و العلوم في مراحل مسيرتها وتطورها مسوغ كاف لرمي الشعر العربي بشكله المتعارف عليه منذ قرون طويلة إلى المتحف أو المزبلة؟ ألا يمكن أن تقوم الثورة داخل هذه الأطر والأشكال المتعارف عليها وهو ما حدث ومازال يحدث منذ ظهور الرومانتيكيين إلى قصيدة التفعيلة والحركات الشعرية الجديدة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الجديد والتي أثبتت نجاعتها وتوهجها وقدرتها على الإبداع والاختلاف دون التنكر للأشكال القديمة؟
ثم لماذا هذا التطرف في الهدم عند النثريين العرب حيث وضعوا قصيدة النثر كمضاد أو نقيض للقصيدة الكلاسيكية؟ ألا يمكن بناء صرح مواز دون التنكر لها أو رميها بالرجعية والتخلف وعدم القدرة على مواكبة الحداثة؟ صحيح أن التطور هو المسار الطبيعي والحتمي لأي فن أو علم لكن المنطق والتاريخ وكل المناهج العلمية تقول أن التطور هو نتاج تراكم التجارب والمعارف السابقة، وإلا فإن هدم كل ما سبق والعودة إلى الصفر هو تقهقر وليس تطورا، ثم كيف لم تكفي أكثر من مئة سنة لوضع قواعد وأسس واضحة تصمد أمام النقد وتعطي مشروعية لقصيدة النثر مثلما فعلت قصيدة التفعيلة في عشرين سنة أو أقل وهي التي ظهرت بعدها بعقود؟
وما هي هذه الموسيقى الداخلية التي لا سبيل إلى ضبطها أو قياسها سوى حدس القائلين بها وأمزجتهم؟ وهل الموسيقى ذاتها مكون جوهري في الشعر أم مجرد زينة خارجية يمكن التخفف منها أو استبدالها؟ وما الذي أضافه لنا التخفف من الوزن والقافية من نصوص عظيمة تعجز الأشكال القديمة عن احتوائها؟
ثم هل قصيدة النثر محاولة للتحرر والانطلاق نحو آفاق جديدة حقا أم هي مدخل لشيوعية الشعر وجعله في متناول الجميع؟ هذا التساؤل الأخير يستمد مشروعيته من الفقر اللغوي الحاد والجهل الفاضح والأخطاء اللغوية المخجلة التي تميز أغلب ما ينشر تحت مسمى قصيدة النثر؟
هذه عينة من أسئلة كثيرة يجب الإجابة عنها بموضوعية في ظل خصوصية اللغة العربية وقواعدها وتراثها العظيم بعيدا عن الانبهار بالنظريات النقدية الغربية المعلبة قبل ضم قصيدة النثر لمتن الشعر العربي
7/هل ترى أن السوشل ميديا ساهمت في صناع الشاعر ام أعطته حرية أكبر ؟
لا أحد ينكر أن السوشل ميديا أنهت ديكتاتورية رؤساء التحرير والأكاديميين ومسؤولي الثقافة الرسميين الذين وأدوا الكثير من المواهب في مهدها لعقود طويلة، وفتحت المجال أمام الشعراء للوصول إلى الجمهور دون وساطة أو وصاية بعد أن انحصر في بلاطات الأمراء والملوك ثم في الجامعات والصالونات المغلقة لقرون وساهمت في تطوير الأدب وتغيير ميكانيزم كتابة القصيدة من خلال تفاعل الشاعر والقارئ وحتى الناقد في لحظة خلق النص، لكن هذه الديمقراطية التي خلقت هذه الحركية وسمحت ببروز أسماء كبيرة ربما ما كان لها أن تظهر في ظروف أخرى تقابلها شيوعية سخيفة ساهمت في تغول الرداءة وجعلت كتابة الشعر حقا مشاعا للجميع حتى لمن لا يستطيع أن يكتب جملة واحدة صحيحة نحويا ولغويا
8/كيف ترى المشهد النقذي في الجزائر و العالم العربي
لا أعتقد أننا نملك نقادا حقيقيين اليوم بل أغلبهم مترجمون يستوردون نظريات غربية جاهزة ويحاولون حشر بعض النصوص داخلها ولي عنقها لتقويلها ما لم تقله بدل الاشتغال على النص المحلي بخصوصياته اللغوية والفنية والاجتماعية والفلسفية لتقويمه وفتح آفاق جديدة للتحليق في سماء الإبداع، بدليل أننا لا نملك نظرية نقدية عربية خالصة منذ قرون، من ناحية أخرى لا يجب أن نلقي باللائمة كلها على الناقد فالفعلان النقدي والإبداعي متلازمان لا يرتقي أحدهما دون الآخر، وأمام حالة الرداءة المسيطرة على المشهد اليوم التي ثقبت غربال التاريخ والنقد تغيرت أولويات النقد من الإرتقاء بالعملية الإبداعية إلى حماية الناس من الرداءة والتشويه الفظيع للذائقة العامة، لكنهم بدل ذلك تحولوا إلى زعماء ميليشيات ثقافية مسلحة تنتصر للإيديولوجيا والجهة والعرق والطائفة والمصالح على حساب الإبداع


إرسال تعليق